أنجمينا – بعد مرور أكثر من عام على فرار آلاف الأسر من النزاع المسلح في منطقة بحيرة تشاد، ما تزال معاناة النازحين مستمرة في إقليم حجر لميس غربي البلاد، حيث يكافحون يوميًا من أجل البقاء في ظل نقص حاد في الغذاء والخدمات الأساسية.
ومن بين هؤلاء، تبرز حليمة حسيني، وهي أم لخمسة أطفال لجأت إلى قرية دومبولكي، كصوت معبّر عن معاناة مئات الأسر التي تطالب بحلول إنسانية مستدامة تضمن لها حياة كريمة.
تقول حليمة: «النازحون يعانون بشكل كبير، وخاصة النساء والأطفال»، مضيفة: «نطالب الحكومة والمنظمات الإنسانية بدعم حقيقي يمكّننا من العيش بكرامة».
أوضاع مأساوية وملاجئ متهالكة
من جانبه، يصف أحمد جِدّة، وهو أب لثمانية أطفال ومسؤول موقع النازحين في نجيلام–أبخيدر، الظروف المعيشية بالكارثية، قائلاً إن «الملاجئ المؤقتة التي شيدناها بدأت تنهار، ونحن في أمسّ الحاجة إلى الغذاء، ومياه الشرب النظيفة، والرعاية الصحية، والتعليم». ويضيف: «نضطر إلى شرب مياه المستنقعات، ما يعرّضنا لمخاطر صحية جسيمة».
ولا تقتصر الأزمة على نقص الخدمات، بل تمتد إلى فقدان سبل العيش، حيث يواجه النازحون صعوبة بالغة في تأمين دخل يضمن الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
وتوضح حليمة، التي كانت تعمل في الزراعة قبل نزوحها، أن «حالتي الصحية تدهورت منذ النزوح، ولم أعد قادرة على العمل كما في السابق، كما أنني لا أملك هنا أي أراضٍ زراعية أعتاش منها».
احتياجات متزايدة وقدرات محدودة
عقب وصول النازحين، قامت السلطات المحلية في دائرة كارال بتقديم مساعدات غذائية أولية، كما وفرت منظمة “أبسلپا” (APSELPA) بعض المواد الأساسية، من بينها الصابون والحُصر والملابس والدلاء. غير أن هذه المساعدات توقفت، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الإنسانية بوتيرة متسارعة، وسط تدفق مستمر للنازحين.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، استقبل الإقليم أكثر من 33 ألف نازح، ما أدى إلى ارتفاع عدد السكان بنسبة 16.5 في المائة في منطقة لا يتجاوز عدد سكانها 200 ألف نسمة.
ووفق دراسة أُجريت في مارس/آذار 2025 بشأن الهشاشة الغذائية، يعاني أكثر من 216 ألف شخص في إقليم حجر لميس من انعدام حاد في الأمن الغذائي، يتركز معظمهم في مقاطعة داغانا التي تستضيف العدد الأكبر من الأسر النازحة حديثًا.
وتلخص حليمة الأولويات بقولها: «نفتقر إلى الماء والغذاء، ولا توجد مدارس لأطفالنا، الذين تشتتوا ولم يعودوا قادرين على مواصلة تعليمهم».
عزلة جغرافية تعمّق الأزمة
تتوزع الأسر النازحة على تسعة مواقع صغيرة تفتقر كليًا إلى البنية التحتية الأساسية، من مراكز صحية ومدارس وأسواق. وتتراوح المسافة إلى أقرب منشأة صحية بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، فيما يضطر بعض النازحين إلى قطع أكثر من 30 كيلومترًا للوصول إلى الخدمات الطبية، دون توفر سيارات إسعاف.
كما أن الملاجئ البدائية شديدة الهشاشة، ولم تعد قادرة على الصمود أمام الظروف المناخية القاسية. وتزيد صعوبة الوصول إلى مواقع مثل دجوغالا وغويتي وكركرايي ونجيلام–بوكار من تعقيد الاستجابة الإنسانية.
وأكدت زيارة مشتركة أُجريت في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بمشاركة منظمات إنسانية وطنية ودولية وجهات حكومية، خطورة الأوضاع الإنسانية في هذه المناطق.
غياب الأفق وحاجة إلى حلول دائمة
في ظل استمرار التدهور الأمني، لا يُعد خيار العودة إلى القرى الأصلية ممكنًا بالنسبة للنازحين. ويقول موسى بول كاوييو، وهو صياد نزح مع أسرته قبل عام: «كنا نعيش على الصيد والزراعة، لكن مناطق الصيد أصبحت اليوم شديدة الخطورة، ومن يغامر بالعودة قد يواجه القتل».
ويجمع النازحون على أن ظروف فرارهم تركت آثارًا نفسية عميقة، وسط شعور متزايد بانعدام الأمان وفقدان المستقبل.
وفي هذا السياق، دعا محمد أحمد يونس، المدير القطري لمنظمة “أبسلپا”، إلى تحرك عاجل لإيجاد حلول مستدامة، قائلاً: «ما يحدث في كارال وماني يتجاوز كونه أزمة إنسانية، إنه اختبار لمسؤوليتنا الجماعية. النازحون لا يحتاجون إلى مزيد من التقييمات، بل إلى حلول ملموسة تعيد إليهم كرامتهم وتمنحهم الأمل».
أزمة أمنية وتمويل شحيح
بعد أن ظلت الأزمة الأمنية محصورة لفترة طويلة في إقليم البحيرة، امتدت مؤخرًا إلى مناطق جديدة داخل تشاد، ما أجبر أكثر من 30 ألف شخص على النزوح نحو إقليم حجر لميس، وهو إقليم هش يفتقر إلى القدرة على استيعاب هذا التدفق الكبير.
ورغم تخصيص الصندوق الإنساني الإقليمي لغرب ووسط أفريقيا نحو 11 مليون دولار منذ عام 2024 لدعم المنظمات المحلية، فإن حجم الاحتياجات الإنسانية يفوق بكثير الموارد المتاحة.
وتُصنَّف تشاد ضمن أكثر الأزمات الإنسانية معاناة من نقص التمويل، إذ لم تحصل هذا العام سوى على 21 في المائة من أصل 1.45 مليار دولار طُلبت لتغطية الاحتياجات الإنسانية العاجلة، ما يضع مستقبل آلاف الأسر النازحة على المحك.
المصدر-اوتشا

