ياوندي – | لم يكن قرار بنك دول وسط إفريقيا (BEAC) بتعليق العمل بـ “نافذة إعادة التمويل الخاصة” مجرد إجراء تقني عابر، بل جاء ليكشف عن خلاف عقائدي واقتصادي عميق بين البنك المركزي للمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا (CEMAC) وصندوق النقد الدولي، يتمحور حول حدود دور السياسة النقدية في تمويل الاقتصاد الحقيقي.
وفي أعقاب اجتماع لجنة السياسة النقدية بالعاصمة الكاميرونية ياوندي، أكد محافظ البنك المركزي، إيفون سانا بانغوي، أن قرار تجميد هذه النافذة الاستثمارية المتخذ في 2 أبريل الماضي، جاء استجابةً لتوصية حثيثة من صندوق النقد الدولي تطالب بالإلغاء التدريجي لهذه الآلية المخصصة لإعادة تمويل القروض متوسطة الأجل الموجهة للمشاريع الإنتاجية.
مخاوف الصندوق: حماية الاحتياطيات الأجنبية أولاً
تضمن تقرير فني صادر عن خبراء صندوق النقد الدولي بشأن تنفيذ الاستراتيجية الإقليمية لمنطقة (Cemac) –والذي أُعد قبيل المشاورات الثلاثية مع السلطات الإقليمية– توصية صريحة بـ “الإلغاء التدريجي لنافذة إعادة التمويل الخاصة”، معتبراً إياها ضمن “الأولويات السياسية الإضافية الحاسمة لتعزيز الضمانات الإقليمية”.
وتتمحور رؤية صندوق النقد الدولي حول اعتبارات اقتصادية كليّة؛ ففي اتحاد نقدي يعتمد على سعر صرف ثابت، يعد الحفاظ على احتياطيات النقد الأجنبي الركيزة الأساسية للاستقرار النظري. وبعد التراجع الملحوظ في الأصول الخارجية للمنطقة، يرى الصندوق أن أدوات التمويل هذه تحفز الطلب على العملات الأجنبية، لا سيما عندما توجّه لتمويل مشاريع تتطلب استيراد معدات صناعية ثقيلة من الخارج.
ولخص محافظ البنك المركزي حجة الصندوق قائلاً:
“يرى صندوق النقد أنه في ظل هشاشة احتياطيات النقد الأجنبي، فإن أي تمويل للمشاريع يترجم مباشرة إلى عمليات استيراد لمعدات وآلات صناعية، مما يمثل ضغطاً فورياً على احتياطياتنا من العملات الأجنبية”.
“مركزي وسط إفريقيا” يرفض الإملاءات التلقائية
في المقابل، يبدي البنك المركزي مقاوِمة واضحة لتوجهات الصندوق، رافضاً إلغاء النافذة بناءً على “ضغوط مؤقتة” تواجه الاحتياطيات. وترى إدارة البنك أن هذه الآلية أداة استراتيجية لا غنى عنها لدعم الاستثمار الإنتاجي في منطقة تعاني فيها الشركات من شروط تمويل بالغة التعقيد والصرامة.
وتساءل المحافظ بنبرة استنكارية:
“أبلغنا صندوق النقد الدولي بأنه لا يمكننا إلغاء هذه النافذة لمجرد وجود ظرف طارئ ومؤقت. هل نحن البنك المركزي الوحيد في العالم الذي يمتلك مثل هذه الأداة التمويلية؟”
وأوضح بانغوي أن هذه الآلية ليست مستحدثة بل كانت “خاملة” وتمت إعادة تفعيلها لهدف استراتيجي واضح: تحفيز الاستثمار الإنتاجي ومواكبة خطط التصنيع في الدول الست للمجموعة (الكاميرون، الكونغو، الغابون، غينيا الاستوائية، تشاد، وجمهورية إفريقيا الوسطى)، مؤكداً: “لا يمكننا السير في طريق إلغائها تماماً”.
وقرر البنك المركزي اتخاذ موقف وسط؛ تجميد العمل بالنافذة مؤقتاً دون إلغائها، مع تشكيل فريق عمل لتقييم جدوى الآلية عبر مقارنتها بالممارسات المصرفية الدولية (Benchmark). وأضاف المحافظ حاسماً الموقف: “إذا تبين لنا أنه لا يوجد بنك مركزي واحد في العالم يمتلك أداة كهذه، فسنلغيها. أما إذا تبين وجود بنك مركزي واحد يملك أداة لدعم الاقتصاد الحقيقي، فلن نتخلى عن أداتنا”.
الكاميرون.. المستفيد الأكبر من خطوط التمويل
تُظهر البيانات التحريرية أن الكاميرون –التي تستحوذ على نحو نصف الشبكة المصرفية في المنطقة– كانت الأكثر ديناميكية في استغلال هذه النافذة التمويلية. وخلال العام الماضي، وافق البنك المركزي على عمليات إعادة تمويل ضخمة لبنوك محلية كاميرونية، منها:
41.2 مليار فرنك إفريقي : لإعادة تمويل قروض مشروع استغلال منجم حديد “بيبيندي-غراند-زامبي”.
31.3 مليار فرنك إفريقي: مخصصة للبرنامج الاستثماري لشركة الاتصالات الحكومية الكاميرونية (Camtel).
30 مليار فرنك إفريقي: لبنك (CCA Bank) للمشاركة في تمويل مشروع تعديني في جمهورية الكونغو.
20 مليار فرنك إفريقي: طلبها بنك (Afriland First Bank) لتمويل بناء معصرة زيوت لصالح شركة تطوير القطن (Sodecoton).
هذا الإقبال الكثيف يعكس حاجة القطاع الصناعي والمصرفي الماسة لخفض تكلفة تمويل المشاريع الكبرى، ولكنه يبرر في الوقت ذاته مخاوف صندوق النقد الدولي؛ إذ إن اتساع نطاق هذه التمويلات يرفع وتيرة استيراد المعدات الرأسمالية، وبالتالي يسرّع وتيرة خروج العملة الصعبة.
اتساع النقاش ليشمل بنك التنمية (BDEAC)
لا يبدو أن البنك المركزي في وارد التراجع عن دوره التنموي؛ حيث استدل المحافظ أيضاً بزيادة وتيرة التعاون مع بنك تنمية دول وسط إفريقيا (BDEAC)، مشيراً إلى توقيع اتفاقية حساب جاري أتاحت تخصيص 120 مليار فرنك إفريقي لتمويل مشاريع تنموية إقليمية، فضلاً عن رفع مساهمة المركزي في رأسمال بنك التنمية بقيمة 86 مليار فرنك إفريقي.
وتساءل المحافظ:
“”.
هل سينتقدوننا أيضاً لأننا أعدنا تفعيل دعمنا لبنك التنمية الإقليمي؟ هذا يعكس إرادتنا الراسخة لمواكبة اقتصاداتنا الوطنية، ونحن نتحمل كامل المسؤولية عن التزامنا تجاه مجتمعتنا الاقتصادي
معضلة إقليمية: معيار الاستقرار أم قاطرة التصنيع؟
يضع هذا الصراع بين البنك المركزي وصندوق النقد الدولي علامة استفهام جوهرية حول حدود الدور التنموي للبنوك المركزية: إلى أي مدى يمكن للمصرف المركزي دعم النمو والتصنيع دون المساس بمهامه الأساسية في الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي؟
وتكتسب هذه القضية حساسية مفرطة في منطقة (سيماك) نظراً لأن عملتها المحلية (الفرنك الإفريقي) ترتبط بسعر صرف ثابت مع اليورو، مما يجعل حجم احتياطيات النقد الأجنبي هو المؤشر الحاسم والمباشر لصدقيتها الماليّة أمام الأسواق الدولية.
وفي الوقت الحالي، يمثل تجميد النافذة هدنة مؤقتة ومناورة لربح الوقت من طرف البنك المركزي، إلا أن هذا السجال المفتوح مع صندوق النقد يؤكد أن معركة تمويل الاقتصاد الحقيقي أصبحت في قلب أجندة الرقابة الاقتصادية الكلية بالمنطقة.
يعكس التقرير التباين الهيكلي التقليدي بين مؤسسات بريتون وودز (التي تعطي الأولوية للانضباط المالي والمؤشرات الكلية وحماية العملة) وبين المصارف المركزية في الدول النامية (التي تحاول الهروب من أسعار الفائدة الدولية المرتفعة والمجحفة عبر ابتكار أدوات تمويل محلية تدعم التصنيع والتحول الهيكلي).
فريق الخبر نيوز

