مقال رأي : “منتدى «تشاد كونكسيون 2030» يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي /بقلم /عيسى آل هليكي

إن مبلغ 30 مليار دولار كافٍ لبناء دولة من جديد، وكافٍ لتحقيق كل أحلام الطامحين، وكافٍ لتحويل صحراء تشاد القاحلة إلى سنغافورة جديدة في قلب إفريقيا خلال خمس سنوات فقط.

كثيرة هي الفرص التي تأتي وتذهب دون استغلال، وبالمحصلة نعود للبكاء على اللبن المسكوب. لكن اليوم هناك بارقة أمل، ولعل شعاع الشمس الجديد يحمل في ثناياه بشيرًا ونذيرًا معًا لنا ولمستقبلنا. وكأن الشمس التي تشرق في سماء تشاد تقول: إنها الفرصة الأخيرة لكم أيها التشاديون.

نحن اليوم وسط بحر من الدماء شرقًا وغربًا، والسبب لكل هذه الحروب التي نشاهدها هو الافتقار إلى الحوكمة الرشيدة. لذلك وجب علينا إدراك حقيقة هذا الأمر قبل أن تلتهمنا نيران الجوار، أو نكون عبرة يعتبر بنا غيرنا.

يجب على المسؤولين أن يكونوا على قدر المسؤولية والوعي اللذين يمنعان أن نكون نموذجًا سلبيًا لغيرنا. اليوم أمامنا فرصة ذهبية إذا ما أردنا النهضة ببلادنا مثل باقي الأمم. ولعل المسؤولية الأخلاقية تحتم علينا كتابة هذه الأحرف من باب «فذكِّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين».

هل أنتم – أيها السادة – مستعدون لهذه المنحة حقًا؟

إذا كان الجواب نعم،
وجب ترتيب الأولويات:


أولًا: منع موظفي الدولة من مزاولة أي عمل تجاري أو مهني خلال فترة عملهم في الدولة.

ثانيًا: تشكيل لجنة من خبراء دوليين في المجالات المالية والهندسية لمراقبة وأرشفة جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها مراقبة دقيقة، بعيدًا عن أجهزة الدولة، على أن تكون اللجنة مرتبطة برئاسة الدولة فقط، وألا يكون لها أي نشاط تجاري أو تعاقدي في أي مجال من مجالات تنفيذ الرؤية.

وهذا ليس عيبًا ولا انتقاصًا من كوادرنا، فمعظم الدول المتقدمة لجأت إلى لجان من خبراء أجانب للاستفادة منهم ولقطع الطريق على أصحاب النفوذ والسلطة، ولضمان أن تأخذ التنمية مسارها الصحيح.

ثالثًا: الاستفادة من أصحاب الخبرة العملية والكفاءة من أبناء تشاد، واستقطاب العقول من المهجر، ومنحهم الفرصة للبقاء في الوطن والمساهمة بخبراتهم.

رابعًا: بعد تنفيذ تلك الخطوات، نستطيع الانتقال إلى كيفية استغلال الموارد المالية المتدفقة حاليًا في خزينة الدولة بالشكل الصحيح، والبدء بالأمور الأكثر حاجة للمواطن، وجعلها أولوية، مثل: البنية التحتية، الصحة، التعليم.

  1. البنية التحتية

يجب إعطاء الفرصة للشركات الكورية، والسويدية، والصينية، والخليجية لبناء البنية التحتية لما تملكه من خبرات عملية عالية، إذا أردنا بنية تحتية صلبة ومستدامة.

  1. الكهرباء

وهو الجزء الأهم. يجب عدم الاعتماد على الشركات الصغيرة أو المحلية؛ لخطورة هذا القطاع وتأثيره المباشر على حياة المواطنين وعلى النهضة الوطنية. ويجب استقطاب شركات أمريكية أو يابانية حصريًا، مثل:

EATON

Emerson

Hitachi

فهذه الشركات ذات باع طويل في بناء محطات توليد عالية الجودة وبضمانات دولية.

  1. الأسمنت

يمكن للشركة الصينية الرائدة هوليستم بناء مصانع ذات جودة عالية وبأسعار معقولة.

إن استقطاب الشركات الخارجية في هذه المرحلة أمر هام وضروري، لضمان المعايير الدولية للسلامة والجودة. كما يجب مراعاة التقسيم العادل لكل منطقة.

يجب تفعيل المحاصصة المناطقية بشكل واضح وشفاف، مع تكليف لجان من كل المناطق من الشرفاء المشهود لهم بالكفاءة، لمتابعة العمل ورفع تقارير دورية.

كما يجب تفعيل بند استجواب المسؤولين أمام البرلمان ومحاسبتهم بشكل مستمر.

علينا اليوم – كتشاديين – انتهاز الفرصة وتقديم مصلحة الوطن على المصالح الفردية الضيقة. ويجب على المسؤولين أن يتقوا الله ويكونوا عونًا لشعبهم لا وبالًا عليه. وعلى المسؤولين أن يعلموا أن بناء الوطن هو سبيل البقاء، وأن ملء الجيوب والهروب بالأموال إلى الخارج ليس إلا نكسة جديدة وضياعًا جديدًا وغربة أبدية، وخرابًا للحاضر والمستقبل.

إن من الأسباب الحقيقية لوضعنا المزري تفشي الفساد في نظمنا الإدارية، واعتادت الشركات العاملة في تشاد تقديم الرشاوى والهدايا للمسؤولين، وإبخاس حق الوطن، وتقديم أعمال رديئة الجودة؛ لأنها ضمنت ألا يُحاسبها أحد بعد أن اشترت ذمم بعض المسؤولين.

إذا أردنا النجاح حقًا، فيجب عدم التعاقد مع الشركات المعتادة، وإدخال شركات جديدة لم يسبق لها العمل في تشاد، وابعاد الشركات القديمة وكل من سبق لهم العمل في الميدان.

وعلى الحكومة أن تعلم أنها أمام اختبار حقيقي أمام الشعب وأمام الدول الممولة لمؤتمر الطاولة المستديرة. وقد تنتج عن هذه الفرصة فرص استثمارية ضخمة مستقبلًا إذا أحسنّا استغلالها. أمّا إذا عدنا للعقلية الاستهلاكية وفتحنا خزائن الدولة للمستغلين والشركات الفاسدة، فلن تتكرر هذه الفرصة أبدًا.

العالم اليوم أكثر انفتاحًا، والمؤسسات الدولية تقدم الدعم، لكنها تُراقب تنفيذ التوصيات بدقة.

اليوم تستطيع الحكومة انتشال الوطن من حال إلى حال إذا خلصت النية.

كما يجب على البرلمان إعداد موازنة عادلة تعطي كل منطقة حقها من التنمية بعيدًا عن المحسوبيات. فمسألة بناء مناطق وتهميش أخرى كانت وما زالت سببًا رئيسيًا للنزاعات والحروب التي تدمر الأوطان وتهدد الاستقرار.

بقلم /عيسى آل هليكي