التنمية الزراعية – بين طموح السيادة والواقع الصعب.. رهان معقد لإحياء زراعة القمح في تشاد والكاميرون

ياوندي/انجمينا – تواجه طموحات دول إفريقيا جنوب الصحراء لإنتاج القمح محلياً جداراً سميكاً من التحديات والموانع الطبيعية، إذ تفتقر الغالبية العظمى من بلدان هذه المنطقة إلى الخصائص المناخية والزراعية المواتية لزراعة هذا المحصول الاستراتيجي بشكل تنافسي. ورغم هذا الحاجز الطبيعي، بدأت تلوح في الأفق بوادر حراك زراعي جديد في حوض وسط إفريقيا، مدفوعاً بجهود بحثية نجحت في استنباط بذور هجينة قادرة على التأقلم مع البيئة المحلية ومقاومة التغيرات المناخية.

وفيما يشبه إعادة رسم للسياسات الزراعية، يتحول القمح تدريجياً في منطقة وسط إفريقيا من مجرد سلع مستوردة إلى محور أساسي في استراتيجيات الأمن والسيادة الغذائية؛ ففي الوقت الذي تعتمد فيه دول الإقليم على الاستيراد لتغطية كامل احتياجاتها تقريباً، تخوض الكاميرون وتشاد سباقاً مع الزمن لتقليص هذا الارتهان للأسواق الخارجية، عبر خطط متباينة الأبعاد والأدوات.

ياوندي وتدشين هيكلية الإنتاج التجاري

في خطوة عملية لترجمة هذه التطلعات، أقرت الحكومة الكاميرونية خطة عمل ثلاثية تهدف إلى تنظيم وهيكلة قطاع القمح المحلي، تمهيداً لبدء تنفيذه الفعلي مع مطلع عام 2027. وتسعى الدولة من خلال هذه الخطوة إلى مغادرة مربع التجارب الميدانية المشتتة والعبور نحو مرحلة الإنتاج التجاري المنظم.

ورصدت الحكومة للخطة الطموحة موازنة تقديرية بلغت 30.9 مليار فرنك إفريقي (نحو 54 مليون دولار أمريكي)، تتوزع على ثلاثة مسارات متكاملة: تتركز الأولى في إنتاج البذور المعتمدة، والثانية في تأطير ودعم المزارعين، بينما تُعنى الثالثة بتشييد بنى تحتية متطورة للتخزين والمعالجة والتصنيع.

وعلى الأرض، تستهدف الخطة استصلاح 4500 هكتار لإنتاج زهاء 9000 طن من البذور المحسنة، كحجر زاوية للوصول بالإنتاج التجاري إلى 180 ألف طن من القمح سنوياً. وتتوزع الخريطة الجغرافية لهذا المشروع على عدة أقاليم حيوية تشمل: أقصى الشمال، والشمال، وأداماوا، والغرب، والشمال الغربي.

ويستند هذا التحول البنيوي إلى الثمار العلمية التي حققها باحثو معهد البحوث الزراعية من أجل التنمية في الكاميرون، بعد نجاحهم في تطوير سلالات من القمح تتمتع بمرونة عالية للنمو في مختلف البيئات والمناخات المحلية للبلاد.

تشاد تستدعي أمجاد الماضي عبر بوابات البحث العلمي

وعلى المقلب الآخر، جددت تشاد مساعيها الرامية إلى وضع القمح في صدارة محاصيلها الاستراتيجية، حيث أطلقت العاصمة نجامينا العمليات التشغيلية لـ “المركز الوطني للتخصص في القمح”، بالتزامن مع أعمال المؤتمر الإقليمي الثالث للقمح.

وترى السلطات التشادية في هذا المركز الجديد ركيزة أساسية ليتحول إلى قطب تميز إقليمي يتجاوز نطاق البحوث العلمية التقليدية؛ إذ يستهدف المركز ريادة عمليات تطوير البذور المحسنة، وتأهيل الكوادر البحثية القادرة على قيادة قاطرة هذا القطاع في منطقتي غرب ووسط إفريقيا. وتكللت هذه التحركات بإبرام شراكات وتعهدات مالية وفنية مع شركاء دوليين لتمويل مشروع بحثي إقليمي مشترك يربط تشاد بكل من نيجيريا والسنغال.

ويأتي هذا الحراك التشادى في محاولة لإحياء قطاع كان يشكل في الماضي القريب علامة فارقة للبلاد في منطقة وسط إفريقيا، حين كانت زراعة “الأراضي الرطبة” (Polders) المحيطة ببحيرة تشاد توفر المدخلات الأساسية لـ “مطاحن تشاد الكبرى” وتدفعها لإنتاج ما يفوق 10 آلاف طن من الدقيق سنوياً، قبل أن يتراجع هذا الزخم الإنتاجي بشكل حاد وتستقر الأرقام في الآونة الأخيرة عند مستويات متعثرة لا تتجاوز 3 آلاف طن سنوياً.

معضلة التنافسية أمام وطأة الأسعار العالمية

تعكس الخطوات المتخذة في ياوندي ونجامينا رغبة سياسية واضحة ومكلفة لمواجهة فاتورة الاستيراد الثقيلة. وبالنظر إلى حالة الكاميرون، التي تتربع على عرش أكبر مستوردي القمح في وسط إفريقيا، نجد أنها استوردت قرابة 921 ألف طن من القمح بقيمة ناهزت 219 مليون دولار من الأسواق الدولية. ورغم أن سقف الإنتاج المحلي المستهدف (180 ألف طن) يبدو متواضعاً أمام حجم الاستهلاك الضخم، إلا أنه يمثل خطوة دفاعية ضرورية لتخفيف النزيف المستمر في النقد الأجنبي.

لكن التساؤل الجوهري المحيط بهذه المشروعات يظل متمحوراً حول “التنافسية الاقتصادية”. وتثبت تجارب دول إفريقية أخرى خاضت غمار الإنتاج واسع النطاق -مثل نيجيريا- أن استمرار زراعة القمح محلياً في هذه البيئات يظل رهيناً بالدعم الحكومي المباشر والضخم.

ومع الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج الناتجة عن الارتباط اللصيق بالأسمدة والمدخلات المستوردة ونظم الري الاصطناعي، إلى جانب تدني إنتاجية الهكتار مقارنة بالمستويات العالمية، يظل القمح المحلي في إفريقيا أمام رهان معقد لإثبات جدواه الاقتصادية ومنافسة المعروض القادم من وراء البحار.

فريق الخبر نيوز مع وكالة ايكوفين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.