أنجمينا — يتزايد الاهتمام الدولي والإقليمي بالثروة الحيوانية الرعوية في تشاد، ولا سيما قطاع الإبل (الجمال)، مدفوعاً بالطفرة الكبيرة في الطلب العالمي على البروتينات الحيوانية ومنتجات الألبان. فبعد عقود طويلة ساد فيها النظر إلى “سفينة الصحراء” باعتبارها وسيلة نقل تقليدية فحسب، بات هذا الكائن الحيواني يُطرح اليوم كرافعة استراتيجية لتنويع الاقتصاد التشادي ومصدر واعد للنقد الأجنبي.
وفي تشاد، هذا البلد الساحلي الذي غالباً ما يرتبط اسمه بالنفط والصمغ العربي، تفرض الإبل هيمنتها على المساحات الشاسعة في الشمال والمناطق الجافة. ووفقاً لأحدث إحصاءات منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو)، تضم تشاد قرابة 11 مليون رأس من الإبل، ما يجعلها صاحبة القطيع الأكبر عالمياً.
.
وتأتي هذه الثروة الضخمة لتُعزز إرثاً رعوياً أوسع يتجاوز إجمالي رؤوس الماشية فيه الـ 120 مليون رأس، في بلد يمثل فيه قطاع تربية الماشية بالفعل الصادرات غير النفطية الأولى للبلاد
مورد استراتيجي وأبعاد سوسيو-اقتصادية
في شمال تشاد، تجاوزت الإبل منذ فترة طويلة مجرد كونها حيوانات تربية؛ إذ تشكل مركباً أساسياً في الهوية الثقافية للمجتمعات الرعوية، ورمزاً للوجاهة، والثراء، والمكانة الاجتماعية. كما تُهيكل الإبل وأنماط حياتها المعيشة في المناطق الجافة وشبه الجافة، حيث تتيح للمربين التنقل لمسافات طويلة وربط المخيمات البدوية بالأسواق الحضرية.
وعلى الصعيد الاقتصادي والغذائي، تُعد الإبل ركيزة أساسية للأمن الغذائي في البلاد. فالحليب الذي تنتجه النوق بانتظام نسبي—حتى في فترات الجفاف القاسية—يمثل مصدراً حيوياً للبروتينات لعدد لا يحصى من العائلات. وبعد أن كان استهلاكه مقتصرًا لفترات طويلة على المجتمعات الرعوية، بدأ حليب الإبل يشق طريقه بقوة نحو الأسواق الحضرية، لا سيما في العاصمة أنجمينا، حيث يتسع نطاق الطلب عليه يوماً بعد يوم.
أما اللحوم، فتحظى بإقبال واسع في الأسواق المحلية والإقليمية، مغذيةً تجارة ديناميكية ومربحة. وفي الوقت ذاته، تُدر صادرات الإبل الحية إلى دول الجوار مثل ليبيا والسودان ومصر عوائد ملحوظة من العملة الصعبة، فضلاً عن عمليات إعادة التصدير التي تستهدف دول الخليج العربي.
وفي مدينة “ماو”—أحد أكبر أسواق الماشية في الشمال، والتي تبعد أكثر من 300 كيلومتر عن العاصمة أنجمينا—تتجسد أبعاد هذا الاقتصاد بوضوح، حيث يتوافد المنمون والمربون من كل حدب وصوب لبيع وتداول مواشيهم.
إمكانات هائلة تنتظر القيمة المضافة
ورغم هذه المؤشرات الرقمية المتميزة، لا يزال قطاع الإبل في تشاد بعيداً عن استغلال كامل طاقاته الاقتصادية الكامنة. إذ تقتصر الصادرات التشادية في الغالب على رؤوس الماشية الحية، مما يعني تنازل البلاد عن جزء كبير من “القيمة المضافة” لصالح دول أخرى. تمتلك تشاد القطيع الأكبر، لكنها لا تجني سوى النزر اليسير من العوائد المرتبطة بعمليات التصنيع، والحفظ، والتعبئة، والتغليف، أو تسويق المنتجات النهائية.
وأمام هذا الواقع، ترتسم في الأفق عدة مسارات لتعظيم قيمة هذا القطاع؛ أولها يكمن في تطوير مسالخ حديثة وشبكات متكاملة لسلاسل التبريد، وهو ما سيتيح للبلاد الانتقال من تصدير الحيوانات الحية إلى تصدير لحوم الإبل المصنعة ذات القيمة المضافة العالية نحو الأسواق الإقليمية والخليجية.
ومن شأن هذا التحول الهيكلي أن يحول تشاد إلى مركز إقليمي (Hub) لسلسلة قيمة الماشية واللحوم، مستفيدة في ذلك من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يمثل ملتقى طرق بين شمال إفريقيا وغربها ووسطها ومنطقة الساحل.
وعلى جبهة أخرى، يفتح حليب النوق آفاقاً استثمارية واعدة؛ فالحليب الذي كان حكراً على البدو الرحل، بات يشهد اليوم طفرة في الاهتمام من قِبل شرائح استهلاكية أوسع، لا سيما في الحواضر والمجتمعات الغربية. ويعود هذا الرواج المتصاعد إلى السمعة المتنامية للحليب كمنتج ذي خصائص غذائية وعلاجية فائقة، مما يسهل إدماجه المتزايد في القنوات التجارية الدولية.
شراكات دولية تلوح في الأفق
بدأت هذه المؤهلات الواعدة تجذب أنظار الشركاء والمستثمرين الأجانب؛ فوفقاً لتقارير أوردتها صحيفة “لوموند” الفرنسية، أبدت دولة المجر—التي طورت في دولة الإمارات العربية المتحدة مشروع (Camelicious) أكبر مزرعة لإنتاج حليب الإبل في العالم—التزاماً واضحاً بإنشاء مركز أبحاث متخصص في العاصمة أنجمينا، فضلاً عن دعم جهود تشاد في بناء وتأسيس مزارع ألبان حديثة ومتطورة، في خطوة قد تمثل نقطة انطلاق حقيقية لتحديث هذا القطاع الاستراتيجي.
وكالة ايكوفين والخبر نيوز

