اقتصاد – صندوق النقد الدولي يحذر: أفريقيا جنوب الصحراء أمام ضغوط موازنية مع انحسار المساعدات الدولية

واشنطن – توقع صندوق النقد الدولي (FMI)، في تقريره الصادر في أكتوبر 2025 حول الآفاق الاقتصادية الإقليمية، أن يحقق اقتصاد أفريقيا جنوب الصحراء نمواً معتدلاً بنسبة 4.1% بنهاية العام الجاري. ورغم أن هذا التقدير إيجابي عقب الصدمات العالمية الأخيرة، إلا أنه يخفي تفاوتاً كبيراً بين دول المنطقة، وينذر بتحديات موازنية غير مسبوقة.

وفي مقابلة خاصة مع مجلة “لا تريبيون أفريك”، أوضح أمادو سي، مدير الأبحاث في قسم أفريقيا بصندوق النقد الدولي،(في الصورة ) أن الإنهاء التدريجي للمساعدات الدولية التقليدية (التمويلات الميسرة والمنح)، التي كانت تشكل دعماً أساسياً للموازنات العامة، يفرض ضغوطاً متزايدة على الحكومات الأفريقية، ويجبرها على مراجعة استراتيجياتها المالية. وينظر الصندوق إلى هذا التحول كـ “لحظة مفصلية” لتعزيز المرونة الاقتصادية، عبر الانتقال من الاعتماد الخارجي إلى التعبئة الفعّالة للموارد الداخلية.

تراجع المساعدات وأزمة الديون تضاعف الأزمة

يأتي انحسار المساعدات في ظل سياق عالمي متغير؛ حيث يقلص المانحون التقليديون التزاماتهم، مواجهين قيوداً موازنية خاصة بهم وأولويات داخلية (مثل الانتخابات الأمريكية وأزمات الطاقة في أوروبا). وتشير تقديرات الصندوق إلى أن مساعدات التنمية، التي كانت تصل في السابق إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي لبعض الدول، قد تنخفض بنسبة تتراوح بين 20 و30%.

ويفاقم هذا الانخفاض أزمة الديون في المنطقة؛ إذ أن أكثر من نصف دول أفريقيا جنوب الصحراء معرضة لخطر المديونية المرتفع. الموازنات، التي هي أصلاً تحت الضغط بسبب التضخم (5-6%) والصدمات المناخية، تواجه قيوداً شديدة، مما يهدد الاستثمارات في قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. ووفقاً للصندوق، فإن المساعدات كانت تخفي نقاط ضعف هيكلية، أبرزها ضعف التحصيل الضريبي (حوالي 15% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 25% في الأسواق الناشئة).

اللجوء إلى الديون الداخلية.. حل قصير الأمد ومخاطر جديدة

في مواجهة شح التمويل الخارجي، تتجه الدول الأفريقية نحو الاقتراض من الأسواق المحلية. ويشرح أمادو سي: “نلاحظ بالفعل أن العديد من الدول الأفريقية تلجأ أكثر إلى الأسواق المحلية، لأن الأسواق الدولية إما مغلقة أو أسعارها باهظة”.

وفي حين أن هذه الاستراتيجية تلبي حاجة قصيرة المدى، إلا أنها تولد مخاطر جديدة؛ فهي تستنزف المدخرات المحلية، وترفع تكاليف الاقتراض للقطاع الخاص، وتزيد من الهشاشة المالية. وتمثل الديون المحلية الآن أكثر من 40% من إجمالي المخزون في عدة دول، مقارنة بـ 20% قبل عقد من الزمان.

إصلاحات ضريبية طموحة لتعزيز السيادة الاقتصادية

لمواجهة هذه الضغوط، يشدد صندوق النقد الدولي على ضرورة تطبيق إصلاح ضريبي طموح يركز على تحسين الإيرادات بدلاً من الاقتصاص من الموازنات. وينبه الصندوق إلى أن المقاربة التقليدية لخفض النفقات تحد من الاستثمارات المنتجة وتزيد من التفاوت الاجتماعي.

ويشير أمادو سي إلى إجراء رئيسي: “يجب تقليص الإعفاءات والتخفيضات الضريبية غير الفعالة. إن النفقات الضريبية مرتفعة للغاية، وستكون هناك مقاومة”. هذه الإعفاءات (في قطاعات مثل الزراعة والتعدين) قد تصل إلى 7-8% من الناتج المحلي الإجمالي في بعض الدول دون أن تساهم دائماً في تحفيز النمو المتوقع، وتعود بالفائدة الكبرى على الشركات الكبيرة. ويمكن أن يوفر تقليص هذه الثغرات الضريبية ما بين 2 إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط، مما يتيح إعادة توجيه الموارد نحو أولويات مثل التعليم والبنية التحتية الخضراء.

كما يوصي الصندوق بإجراءات تكميلية لضمان الاستدامة الموازنية، منها ترشيد الإعانات والدعم الموجه للطاقة والتحويلات غير الأساسية التي تثقل كاهل الخزينة دون استهداف الفئات الأكثر حاجة بفعالية. ويدعو الصندوق إلى استبدال دعم الوقود، على سبيل المثال، بتحويلات نقدية مباشرة وموجهة عبر الأنظمة الرقمية.

ويؤكد التقرير أن هذه الإصلاحات تتطلب إرادة سياسية قوية للتغلب على مقاومة جماعات الضغط، بهدف تحويل نهاية المساعدات إلى محفز للسيادة الاقتصادية.