واشنطن/داكار –الخبر نيوز يسعى صندوق النقد الدولي إلى الاستفادة من الدروس المستخلصة من تجربة تشاد في إعادة هيكلة ديونها، لتسريع معالجة مديونية السنغال، في وقت يهدد فيه ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة بزيادة كلفة الاقتراض وتقليص هامش المناورة المالية أمام الدول النامية.
وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، في مقابلة مع وكالة رويترز على هامش اجتماعات مجموعة العشرين، إن ارتفاع تكاليف الاقتراض يعزز الحاجة إلى إصلاح آليات إعادة هيكلة الديون وجعلها أكثر سرعة وفاعلية.
ويأتي ذلك في ظل ارتفاع عوائد السندات العالمية، مدفوعة بزيادة مستويات الدين العالمي، واستمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بالإغلاق المطول لمضيق هرمز، إلى جانب اشتداد المنافسة الدولية على رؤوس الأموال.
ومع ارتفاع أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة، تواجه الحكومات المقترضة في مختلف أنحاء العالم أعباء أكبر لخدمة ديونها. وقد وصلت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً إلى مستويات هي الأعلى منذ نحو عقدين، ما يزيد الضغوط على الدول ذات القدرة المحدودة على الوصول إلى التمويل.
ويذكّر صندوق النقد بأن نحو 60% من البلدان منخفضة الدخل كانت، في عام 2022، إما في وضع حرج بسبب ارتفاع المديونية أو معرضة بدرجة كبيرة لخطر الوقوع في أزمة ديون. ويرى الصندوق أن هذه المكاسب قد تتعرض للانتكاس إذا استمرت تكاليف الاقتراض في الارتفاع.
ومن هذا المنطلق، يسعى الصندوق إلى استخلاص الدروس من عمليات إعادة الهيكلة الأولى التي تمت في إطار «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين، ولا سيما تجربة تشاد، بهدف جعل العمليات المقبلة أسرع وأكثر كفاءة.
تشاد.. أول اختبار كشف عن بطء إجراءات إعادة الهيكلة
أُطلق «الإطار المشترك» في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، خلال جائحة كوفيد-19، بهدف جمع الدائنين الرسميين والخاصين لمعالجة ديون الدول التي تواجه صعوبات مالية.
وكانت تشاد وزامبيا أول دولتين تنتهيان من عملية إعادة هيكلة ديونهما في إطار هذه الآلية، إلا أن المفاوضات استغرقت عدة سنوات، نتيجة صعوبات التنسيق بين الدائنين الرسميين والقطاع الخاص والمؤسسات المالية متعددة الأطراف.
وتبرز الحالة التشادية مدى تعقيد هذه العملية. ففي نهاية عام 2020، قُدرت ديون تشاد الخارجية بنحو 3 مليارات دولار، بما يعادل 24.2% من الناتج المحلي الإجمالي. وكان نحو ثلث هذه الديون مستحقاً لدائنين تجاريين، غالبيتهم العظمى لشركة «غلينكور».
وكانت تشاد قد حصلت من الشركة على قروض مضمونة بإيراداتها النفطية، من بينها تمويلات أُبرمت في عامي 2013 و2014.
وتضمنت الاتفاقيات بنداً يُعرف باسم «Cash Sweep»، يتيح تسريع سداد القروض عندما ترتفع الإيرادات النفطية، وهو ما جعل المالية العامة أكثر عرضة لتقلبات أسعار النفط.
وفي 7 ديسمبر/كانون الأول 2022، وقعت تشاد، عبر الشركة الوطنية للمحروقات، اتفاقاً مع «غلينكور» بشأن تسهيل تمويل مسبق مقابل عائدات النفط بقيمة 1.3 مليار دولار، كان قد مُنح في عام 2014 وأُعيد التفاوض بشأنه في 2018.
ولم تتضمن المعالجة التي تم التوصل إليها في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 إلغاء أصل الدين، وإنما ركزت بصورة أساسية على تأجيل جزء من المدفوعات التي كان من المقرر استحقاقها في عام 2024.
ووفقاً لصندوق النقد الدولي، ساهم الاتفاق في خفض مخاطر الوقوع في أزمة مديونية إلى مستوى متوسط، كما قلص مخاطر حدوث أزمة سيولة.
غير أن نحو عامين مرا بين إطلاق «الإطار المشترك» والتوصل إلى اتفاق معالجة الدين التشادي، وهو ما يعكس إحدى أبرز العقبات التي تسعى مجموعة العشرين إلى تجاوزها من خلال تحسين آليات إعادة هيكلة الديون.
ش
السنغال.. الاختبار الجديد
ويستند المسار المحسّن، الذي جرى الاتفاق عليه في مايو/أيار، إلى إعادة تنظيم مراحل معالجة الديون وربطها بصورة أكثر فعالية ببرامج الدعم المالي التي يقدمها صندوق النقد الدولي.
ويتمثل أحد أهداف الآلية الجديدة في تقليص الفترة بين التوصل إلى اتفاق فني مع صندوق النقد والحصول على ضمانات التمويل من الدائنين الرسميين، بما يسمح بتسريع تنفيذ برامج إعادة الهيكلة وتخفيف الضغوط على الدول المدينة.
وتأتي السنغال في مقدمة الدول التي ستختبر فعالية هذا النهج.
وكان صندوق النقد الدولي قد أعلن التوصل إلى اتفاق بشأن برنامج تمويل للسنغال بقيمة 2.2 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، على أن يرتبط الدعم بطلب معالجة ديون البلاد في إطار «الإطار المشترك» لمجموعة العشرين.
وقالت غورغييفا: «لدينا الحالة المقبلة، فلنعمل على إنجاحها»، في إشارة إلى الملف السنغالي.
وتكتسب التجربة السنغالية أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التمويل العالمية، إذ يراهن صندوق النقد على أن تسريع إجراءات إعادة هيكلة الديون يمكن أن يمنح الدول النامية مساحة مالية أكبر، ويحد من مخاطر تحول ضغوط خدمة الدين إلى أزمات سيولة أو مديونية أعمق.
وبالنسبة لصندوق النقد، لن تكون السنغال مجرد عملية إعادة هيكلة جديدة، بل اختباراً عملياً لقدرة الآلية المحسّنة على تجاوز البطء والتعقيدات التي رافقت التجارب الأولى، وفي مقدمتها تجربة تشاد.
المصدر: فريق الخبر نيوز

