دولي – كشف تقرير تقييم التهديدات السيبرانية في إفريقيا لعام 2026 الصادر عن الإنتربول عن تحولات نوعية في مشهد الجرائم الإلكترونية بالقارة، مدفوعة بالانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي، واتساع الخدمات المالية الرقمية، واستمرار ضعف التنسيق بين المؤسسات المالية وشركات الاتصالات وأجهزة إنفاذ القانون، في وقت ارتفعت فيه الخسائر المالية الناجمة عن الجرائم السيبرانية إلى نحو 484 مليون دولار أمريكي خلال عام 2025، بزيادة بلغت 152% مقارنة بالعام السابق.
ويرسم التقرير صورة متزايدة التعقيد للتهديدات الرقمية في إفريقيا، مؤكدًا أن الجريمة السيبرانية لم تعد تقتصر على عمليات احتيال فردية، بل تحولت إلى نشاط إجرامي عابر للحدود، يعتمد على شبكات منظمة تستخدم أحدث التقنيات الرقمية لتحقيق أرباح متنامية واستهداف المؤسسات المالية والشركات والأفراد على حد سواء.
ثغرة مؤسسية تعرقل مكافحة الاحتيال
ووفقًا للتقرير، فإن غياب آليات فورية لتبادل المعلومات بين البنوك وشركات الاتصالات والجهات الأمنية يمثل إحدى أبرز نقاط الضعف في منظومة الأمن السيبراني الإفريقية، إذ يؤدي إلى إبطاء الاستجابة للهجمات الإلكترونية ويمنح المجرمين الوقت الكافي لتحويل الأموال وإخفاء آثار عملياتهم.
وأوضح أن عدم وجود بروتوكولات تشغيل مشتركة يحول دون إيقاف عمليات التحقق عبر الرسائل النصية أو تعليق التحويلات المالية عبر الهاتف المحمول فور اكتشاف المعاملات المشبوهة، الأمر الذي يضاعف خسائر المؤسسات المالية ويحد من فعالية التحقيقات.
وأشار التقرير إلى أن هذه الفجوة أتاحت لشبكات الجريمة المنظمة إنشاء هويات مزيفة، وفتح حسابات مصرفية وهمية، والحصول على قروض رقمية، وتسجيل شرائح اتصال بأسماء غير حقيقية، مستفيدة من ضعف التكامل بين قواعد البيانات لدى المؤسسات المختلفة.
خسائر متسارعة مع توسع الاقتصاد الرقمي
وبيّن التقرير أن الخسائر المباشرة الناجمة عن الجرائم السيبرانية ارتفعت إلى 484 مليون دولار في عام 2025، مقابل 192 مليون دولار في عام 2024، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة الهجمات بالتوازي مع توسع الاقتصاد الرقمي في القارة.
وربط التقرير هذا الارتفاع بالنمو الكبير في استخدام خدمات الهاتف المحمول، التي تضم نحو 1.1 مليار مشترك في إفريقيا، ما وفر بيئة خصبة لازدهار الخدمات المالية الرقمية، وفي الوقت نفسه فتح المجال أمام المجرمين لاستغلال الثغرات التقنية والتنظيمية.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد الهجمات الإلكترونية
وأكد التقرير أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تنفيذ الهجمات السيبرانية، إذ ارتبط استخدامها بنحو 55% من الجرائم الإلكترونية المبلغ عنها خلال عام 2025.
وأوضح أن هذه التقنيات تُستخدم لإنتاج رسائل بريد إلكتروني احتيالية يصعب تمييزها عن الرسائل الحقيقية، وتستهدف بصورة خاصة الإدارات المالية والمحاسبية داخل المؤسسات، كما تُمكّن المهاجمين من إنشاء هويات رقمية اصطناعية بالاعتماد على البيانات الشخصية المسروقة، بما يسمح في بعض الحالات بتجاوز أنظمة التحقق البيومتري.
كما سجل التقرير تصاعدًا في استخدام تقنيات التزييف العميق (Deepfake) في عمليات الابتزاز الإلكتروني، وانتحال شخصيات المديرين التنفيذيين والموظفين، بهدف تحويل الأموال أو اختراق الأنظمة الداخلية للمؤسسات، فيما رصدت منصة TrendAI نحو 600 ألف حالة من هذا النوع خلال عام 2025.
التصيد الإلكتروني يتصدر قائمة التهديدات
وبحسب التقرير، استندت نتائج التقييم إلى بيانات واردة من 36 دولة إفريقية، أظهرت أن التصيد الإلكتروني تصدر قائمة الجرائم السيبرانية بنسبة 17%، تلاه سرقة الهوية والاحتيال المالي بنسبة 14%، ثم تسريبات البيانات بنسبة 11%، والتي اعتبرها التقرير المصدر الرئيس لمعظم الهجمات الإلكترونية.
كما شملت التهديدات برمجيات الفدية وأحصنة طروادة المصرفية (7%)، واستهداف البنى التحتية الحيوية (6%)، والأسواق الإلكترونية غير المشروعة (5%)، وهجمات الحرمان من الخدمة (DDoS) بنسبة 4%، والتعدين غير المشروع للعملات الرقمية (Cryptojacking) بنسبة 4%، إضافة إلى جرائم إلكترونية أخرى بنسبة 8%.
وفي الجانب التقني، كشفت منصة Shadowserver عن أكثر من 6 آلاف ثغرة أمنية قابلة للاستغلال، تركزت بصورة رئيسية في جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا، نتيجة استخدام أنظمة قديمة أو إعدادات أمنية غير محدثة.
كما أفادت 72% من الدول الإفريقية بوجود مراكز متخصصة في تنفيذ عمليات احتيال إلكتروني واسعة النطاق، بينما أظهرت بيانات TrendAI أن البرمجيات الخبيثة استحوذت على 55.9% من الاكتشافات، تلتها أحصنة طروادة بنسبة 15.6%، ثم برمجيات TrojanSpy بنسبة 14.2%.
تعاون دولي وتشريعات أكثر صرامة
وقال نيل جيتون، مدير وحدة مكافحة الجرائم السيبرانية في ، إن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ الهجمات الإلكترونية يتطلب تعزيز التعاون الدولي وتكثيف تبادل المعلومات بين الدول والمؤسسات.
وأشار إلى أن أربع عمليات أمنية مشتركة نُفذت خلال عام 2025 أسفرت عن أكثر من 1,500 عملية توقيف، واستعادة ما يقارب 100 مليون دولار أمريكي من العائدات الإجرامية، في دليل على فعالية التنسيق الأمني العابر للحدود.
وأضاف التقرير أن 17 دولة إفريقية أجرت تعديلات على تشريعاتها الخاصة بمكافحة الجرائم السيبرانية، من بينها السنغال التي أطلقت منصة وطنية للإبلاغ عن الجرائم الإلكترونية، في إطار تعزيز الاستجابة المؤسسية للمخاطر الرقمية.
واختتم الإنتربول تقريره بالتأكيد على أن بناء منظومة فعالة لتبادل المعلومات بين البنوك وشركات الاتصالات والسلطات المختصة يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن السيبراني والمالي في إفريقيا، داعيًا إلى الاستثمار في التحليل الجنائي الرقمي، وتطوير قدرات أجهزة إنفاذ القانون، والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في كشف التهديدات والاستجابة لها، بما يعزز حماية الاقتصادات الإفريقية في مواجهة تصاعد الجريمة الإلكترونية.

