اقتصاد –  تشاد تزيح السودان وتتصدر توريد الصمغ العربي لفرنسا بنمو قياسي 260%

باريس – وكالات  – تشهد خارطة إمدادات الصمغ العربي العالمية تحولاً استراتيجياً لافتاً، حيث نجحت تشاد في انتزاع الصدارة التجارية من السودان في السوق الفرنسية للمرة الأولى تاريخياً، مستفيدة من موقعها في حزام الساحل الإفريقي لتتحول إلى “البديل الآمن” للشركات والمصانع الأوروبية والعالمية.

وكشفت أحدث البيانات الصادرة عن مؤسسة “إن كالو” (N’kalô) المتخصصة في الاستشارات الزراعية، عن قفزة نوعية في واردات فرنسا من الصمغ العربي التشادي خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، متجاوزة الكميات الموردة من السودان، الذي يعد المورد التاريخي والتقليدي للسوق الأوروبية.

طفرة تشادية وتراجع سوداني

سجلت مشتريات الشركات الفرنسية من الصمغ العربي التشادي بين يناير وأبريل من العام الجاري نحو 5,063 طناً، محققة نمواً قياسياً بنسبة 260% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وفي المقابل، شهدت الإمدادات السودانية تراجعاً ملحوظاً بنسبة 33% لتستقر عند 4,241 طناً.

ويعكس هذا التطور امتداداً لاتجاه تصاعدي بدأ منذ عام 2024، مدفوعاً بتبعات الحرب المستعرة في السودان منذ أبريل 2023. وسلط النزاع السوداني الضوء على مخاطر اعتماد الصناعة العالمية على مورد رئيسي واحد، حيث كان السودان يستحوذ وحده على نحو 80% من الإنتاج العالمي لهذه المادة الحيوية التي تدخل كعامل استقرار ولزوجة ورابط في الصناعات الغذائية، والمشروبات الغازية، والحلويات، والقطاعات الدوائية والتجميلية.

مقارنة الصادرات لفرنسا (الأشهر الأربعة الأولى من 2026)

تحول بوصلة الشركات العالمية

دفعت الاضطرابات اللوجستية ورغبة الشركات العالمية في تأمين سلاسل توريد مستدامة و”خالية من النزاعات” العديد من المستوردين في الولايات المتحدة والهند والصين إلى تحويل بوصلتهم نحو تشاد. وتجلى هذا التحول بوضوح في فرنسا، التي تهيمن على نحو ثلثي تجارة الصمغ العربي المصنّع عالمياً عبر عملاقي الصناعة في إقليم نورماندي: “نيكسيرا” (Nexira) و”ألاند آند روبرت” (Alland & Robert).

وتكشف القراءة التاريخية للمؤشرات عن تقلص الفجوة تدريجياً بين البلدين؛ فبعد أن كانت الصادرات التشادية إلى فرنسا لا تتجاوز 12,787 طناً في عام 2024 مقابل 43,000 طن للسودان، تقاربت الأرقام خلال عام 2025 لتسجل 15,549 طناً لتشاد و32,835 طناً للسودان، قبل أن تبلغ نقطة التحول في الربع الأول من عام 2026 بتفوق تشاد بواقع 3,473 طناً مقابل 3,087 طناً للسودان.

فرصة هيكلية ومزايا تنافسية

يرى محللون اقتصاديون أن هذه التطورات تمثل فرصة هيكلية لتشاد لفرض نفسها كبديل استراتيجي بعيد المدى للمصانع الأوروبية، لا سيما وأن فرنسا تستورد أكثر من 95% من احتياجاتها الخام من القارة الإفريقية لتغطية عمليات إعادة التصدير والمعالجة.

ويتميز المنتج التشادي بمزايا تنافسية نوعية تجعله المفضل لدى الشركات الصناعية الكبرى، حيث يتفوق في معايير النقاء  واللون الفاتح، مما يمنحه ميزة تسعيرية أعلى (Premium Price) في الأسواق الدولية .

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، يمتلك القطاع الزراعي في تشاد إمكانات نمو هائلة غير مستغلة، تؤهله للاستفادة القصوى من الطفرة المتوقعة في الطلب العالمي، والتي يُتوقع أن تنمو بمتوسط سنوي يبلغ 5.9% على مدار العقد المقبل.

  >  آفاق التنمية:

“فرص هائلة وواعدة”.. هكذا يصف البنك الدولي مستقبل الثروة الشجرية في تشاد، داعياً المستثمرين للالتفات إلى إمكانات الصمغ العربي الإستراتيجية، بعد عقود أدت فيها قلة الاستثمار إلى اتساع الفجوة لصالح الجارة السودان. اليوم، تبدو تشاد مستعدة لقلب هذه المعادلة التاريخية؛ إذ تأتي خطة التنمية الوطنية “تشاد كونيكسيون 2030” بمثابة جسر العبور نحو استغلال الموارد المعطلة، وفتح الأبواب على مصراعيها أمام الاستثمار الأجنبي في مجالات الطاقة، والتعدين، والزراعة، لإعادة تموضع الاقتصاد التشادي على الخارطة الإقليمية والدولية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.