أنجمينا – الخبر نيوز/ خلف الأرقام الصماء المتصاعدة للنزاعات، تختبئ قصص مأساوية ترويها أقدام حافية وطرقات طويلة؛ فبعد ثلاث سنوات عجاف من اندلاع الحرب في السودان، تجاوزت أعداد المواطنين التشاديين الفارين من أتون النزاع والذين أجبروا على العودة إلى بلادهم حاجز الـ 400 ألف شخص. هذا الرقم القياسي المفزع، الذي رصدته مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، جاء أسرع بكثير من أكثر التوقعات قتامة، ليسلط الضوء على الكلفة الإنسانية الباهظة لحرب لا ترحم، تسببت في ضغوط تفوق الطاقة الاستيعابية للمجتمعات المحلية الهشة والخدمات شبه المنعدمة في شرق تشاد.
وفي عمق المأساة عند معبر “أدري” الحدودي، تتجسد المعاناة في أبشع صورها؛ حيث تنقل سونغ آه لي، نائبة المدير العام للمنظمة الدولية للهجرة لشؤون الإدارة والإصلاح، شهادة حية من واقع زيارتها الميدانية، تروي فيها لقاءها بأمهات وسيدات سِرن على أقدامهن لأسابيع مضنية في القفار، يحملن بين أذرعهن أطفالاً يتامى أو تائهين التقطنهم على جنبات الطرق بعد أن فقدوا عائلاتهم في خضم الفوضى. وتؤكد مسؤولة المنظمة الدولية بصوت مثقل بالمسؤولية، أن هؤلاء العائدين لا يمكن أن يتحولوا إلى ضحايا “غير مرئيين” بعد وصولهم إلى أرض الوطن، مشددة على أن الاستجابة الدولية لم تعد تملك ترف الاكتفاء بمسكنات الإغاثة قصيرة الأجل، بل يجب أن تنتقل فوراً إلى استراتيجية شاملة تضمن الحماية، والرعاية الصحية، وصون الكرامة الإنسانية، وتأمين مستقبل النساء والأطفال والمجتمعات التي استقبلتهم بصدور عارية وموارد شحيحة.
وتتكامل هذه الشهادات الإنسانية مع أرقام وبيانات توضح حجم الكارثة؛ حيث تشتتت آلاف العائلات العائدة في مخيمات عشوائية تفتقر لأدنى مقومات الحياة، أو تكدست داخل مجتمعات محلية مضيفة في مقاطعات وداي، ووادي فيرا، وسيلا. هناك، حيث يغيب شريان الحياة الأساسي، يبحث العائدون بلا جدوى عن مأوى يقيهم القيظ، أو قطرة ماء نظيفة، أو رعاية طبية تقي أطفالهم الأمراض. وتكشف إحصاءات المنظمة الدولية للهجرة عن وجه الضحية الأكثر هشاشة في هذه الأزمة؛ إذ تشكل النساء 58% من إجمالي العائدين، بينما يمثل الأطفال القصر والرضع النسبة الأكبر بنحو 69%، ما يعكس مجتمعاً من الأرامل والأيتام والناجين منسياً في العراء.
هذا التدفق البشري الهائل لم يأتِ إلى أرض الرخاء، بل إن شرق تشاد كان يئن أصلاً تحت وطأة أزمات اقتصادية طاحنة وشح مزمن في الموارد قبل تفجر الأزمة السودانية. واليوم، تحول هذا اللجوء العكسي الكثيف إلى عبء يفوق الاحتمال، ضاغطاً على قطاعات المياه الضعيفة، والمراكز الصحية المتهالكة، والخدمات الحيوية في مناطق تصنف أساساً بأنها الأكثر احتياجاً على الخارطة الإنسانية.
وعلى الرغم من أن هؤلاء العائدين هم من دفع الثمن الأفدح للحرب، إلا أن مأساتهم بقيت -للمفارقة- الأكثر تجاهلاً ونسياناً من قِبل المجتمع الدولي؛ فهم يعودون إلى وطن ومجتمعات قد لا يملكون فيها ذاكرة أو معارف، بلا أراضٍ يزرعونها، وبلا وثائق رسمية تثبت هوياتهم، وفي غياب تام لشبكات الدعم العائلي التي يمكن أن تسند انطلاقتهم الجديدة من نقطة الصفر.
ومنذ الوهلة الأولى لاندلاع الشرارة الأولى للأزمة، حاولت المنظمة الدولية للهجرة، جنباً إلى جنب مع الحكومة التشادية والسلطات المحلية والشركاء، ترميم ما يمكن ترميمه، عبر تقديم حزم من المساعدات شملت بناء الخيام، وإمدادات المياه والإصحاح البيئي، وتوزيع المستلزمات المعيشية، والمساعدات النقدية المباشرة، فضلاً عن برامج الحماية والدعم النفسي والاجتماعي لانتشال الضحايا من صدمات الحرب والنزوح.
ومع دخول الأزمة السودانية عامها الرابع، لم يعد ممكناً إغلاق الأعين عن حقيقة أن سياسة “الإطفاء المؤقت للحرائق” عبر المساعدات الطارئة قد بلغت مداها الأقصى ولم تعد تجدي نفعاً. ومن هنا، تطلق المنظمة الدولية للهجرة نداء استغاثة عاجل إلى المانحين والمجتمع الدولي لضخ استثمارات حقيقية ومستدامة في شرق تشاد، تمزج بين المأوى العاجل وبين خلق سبل العيش، وإعادة بناء البنية التحتية المحلية، ودعم مشاريع التعافي الاقتصادي التي تقودها المجتمعات المحلية بنفسها.
إن الواقع الجديد يفرض نفسه بقوة؛ فالعائدون باتوا يمثلون اليوم قرابة ثلث إجمالي الوافدين الفارين من السودان إلى تشاد، وهي نسبة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن احتياجاتهم لم تعد عارضة أو مؤقتة، وأن مقاربة الأزمة لم تعد تحتمل حصرها في زاوية الإغاثة الضيقة، بل هي معركة بقاء وبناء تتطلب التزاماً دولياً طويل الأمد.

