بنين في “أيام الفودو 2026”: تكسر الأساطير وتكرّس نفسها عاصمةً للروحانية والطقوس الإفريقية

كوتونو –(الخبر نيوز+ وكالات) تتحول جمهورية بنين، مطلع كل عام، إلى منصة عالمية للاحتفاء بأحد أقدم مكونات هويتها الثقافية، مع انطلاق فعاليات “أيام الفودو” (Vodun Days)، الحدث السنوي الذي بات يشكل علامة فارقة في المشهد الثقافي الأفريقي، ونافذة لإعادة تقديم ديانة الفودو بوصفها إرثاً روحانياً وتاريخياً عابراً للحدود.

ويُقام هذا الحدث سنوياً تزامناً مع العاشر من يناير، وهو تاريخ معتمد منذ عقود عيداً وطنياً للديانات التقليدية في بنين، قبل أن تعمد الدولة في مطلع العقد الحالي إلى تطويره في صيغة مهرجان ثقافي واسع الأبعاد، يجمع بين الطقوس الدينية، والفنون، والبحث الأكاديمي، والسياحة الثقافية.

جذور أفريقية وامتداد عالمي

تعود نشأة ديانة الفودو إلى أراضي بنين الحالية، قبل أن تنتقل قسراً إلى الأميركيتين خلال حقبة تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي. ومن هناك، تشكلت ممارسات روحانية متعددة في بلدان مثل هايتي والبرازيل وكوبا والولايات المتحدة، احتفظت، رغم تحولات الزمن، بروابط عميقة مع جذورها الأفريقية.

وفي هذا السياق، تمثل “أيام الفودو” محاولة واعية لإعادة وصل ما انقطع تاريخياً بين أفريقيا وشتاتها، وإبراز استمرارية هذا الإرث بوصفه مكوناً حياً من الذاكرة الجماعية، لا مجرد طقس من الماضي.

أويدا… مدينة الذاكرة المفتوحة

تتركز أبرز فعاليات المهرجان في مدينة أويدا (Ouidah) الساحلية، التي تحتل مكانة رمزية خاصة في تاريخ الفودو وتاريخ العبودية معاً. فقد كانت المدينة أحد أهم موانئ تصدير العبيد خلال القرون الماضية، ومنها عبرت الطقوس والمعتقدات إلى الضفة الأخرى من الأطلسي.

اليوم، تتحول مواقعها المقدسة، مثل غابة كباسي ومعبد الثعابين، إلى فضاءات مفتوحة للمواكب الطقسية، والرقصات المقدسة، والاحتفالات الجنائزية، في مشهد يمزج بين الذاكرة، والروحانية، والفن الحي.

طقوس حية تتجاوز الفولكلور

على مدى عدة أيام، تشهد مدن الجنوب البنيني عروضاً لطقوس تقليدية بارزة، من بينها “الزانغبيتو” (حراس الليل) و“الإيغونغون”، حيث تظهر شخصيات مقنّعة بأزياء ضخمة وملونة، تجسد حضور الأرواح وصلتها بالمجتمع.

ولا تُقدم هذه الطقوس بوصفها عروضاً استعراضية للسياح، بل كجزء من ممارسة دينية واجتماعية حية، يشارك فيها السكان والزوار ضمن إطار جماعي يعكس فلسفة الفودو القائمة على التوازن بين الإنسان والطبيعة والعالم غير المرئي.

بين الروحانية والفن المعاصر

إلى جانب الطقوس الدينية، يفتح المهرجان المجال أمام تعبيرات فنية معاصرة، تشمل حفلات موسيقية ومعارض وورش عمل، يشارك فيها فنانون محليون ودوليون، يمزجون بين الإيقاعات التقليدية وأنماط موسيقية حديثة مثل “الأفروبوب”.

كما تحتضن “القرية الاحتفالية” أنشطة تعريفية بالحرف التقليدية، والمنحوتات، والمنسوجات المرتبطة برموز الفودو، إضافة إلى نقاشات حول الدور الاجتماعي لهذه الديانة في تنظيم العلاقات داخل المجتمع.

أبعاد معرفية وسيادية

ولا يقتصر الحدث على الجانب الاحتفالي، إذ ترافقه ندوات فكرية وأكاديمية يشارك فيها باحثون ومؤرخون وأنثروبولوجيون، يناقشون مكانة الأديان التقليدية في المجتمعات الحديثة، وإشكاليات الاعتراف بها، وتفكيك الصور النمطية التي ارتبطت بها خلال الحقبة الاستعمارية.

سياسياً، تعكس “أيام الفودو” توجهاً رسمياً لاستعادة السيادة الثقافية، وإعادة الاعتبار لتراث ظل مهمشاً طويلاً، في إطار رؤية أوسع تضع بنين في قلب ما يوصف بـ النهضة الثقافية الأفريقية.

رافعة للسياحة والتنمية

اقتصادياً، بات المهرجان يشكل رافعة مهمة للسياحة الثقافية، إذ يستقطب آلاف الزوار من أفريقيا والكاريبي وأوروبا والأميركيتين، ما ينعكس إيجاباً على المجتمعات المحلية، والحرفيين، وقطاعي الفندقة والخدمات.

وبين الماضي والحاضر، تقدم بنين من خلال “أيام الفودو” نموذجاً لاحتفال لا يختزل التراث في الفولكلور، بل يقدمه كفلسفة وجودية حية، وجزء أصيل من هوية وطنية تسعى إلى مخاطبة العالم بلغتها الخاصة.

اعداد – فريق الخبر نيوز