معرض الشارقة / الجذور العميقة للمهرجانات الأدبية العربية – بقلم / أستاذ إبراهيم ابوبكر كامل ثقافي…

قد أصبح معرض الشارقة إحدى المعارض الشهيرة على المستوى العالمي في هذه الأيام. إن دور سلطان الشارقة، صاحِب السُّمُو الشَّيخ الدُّكتُور سُلطان بِن محمَّد القاسِمِيّ، في جعل معرض الشارقة للكتاب أكبر معرض للكتاب في العالم هو دور فريد من نوعه.  إنه يظهر إرادة قوية ورؤية بطولية في المشاركة الفكرية والثقافية.  معرض الكتاب، الذي انطلق في العام العاشر لإدارته، حوّل الشارقة إلى مركز ثقافي.  ونتيجة لعمله الجاد وجهوده، أعلنت اليونسكو الشارقة عاصمة عالمية للكتاب.  وخلال هذه الفترة أيضًا أصبحت الشارقة العاصمة الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي.  وهذا مثال جيد على كيفية الارتقاء بالأمة فكريا خلال فترة حكم تمتد لخمسين عاما.

لقد كان صاحِب السُّمُو الشَّيخ الدُّكتُور سُلطان بِن محمَّد القاسِمِيّ شخصاً لديه رؤية واضحة لكيفية تطور الأمة.  ووراء كل هذه الإنجازات يكمن إدراكه أنه بعد التطورات الملموسة، يجب أن تقود المعرفة والرسائل المجتمع.  وأنشأ العديد من المدارس والمكتبات.  وتطورت جامعة الشارقة وجامعة القاسمية لتصبحا جامعات عالمية المستوى.  وتم إنشاء قصر الثقافة وهيئة الشارقة للتعليم الخاص وغيرها في عهده.  وتم إهداء 50 كتاباً لكل أسرة في إمارة الشارقة.  وفي عام 2018،  تأسست مكتبة بيت الحكمة.  وتم تنفيذ العديد من المشاريع للمترجمين والناشرين.  وبهذه الطريقة كان الشيخ سلطان يبين خارطة الطريق لكيفية تنفيذ النهضة الاجتماعية من خلال التعليم.

صاحِب السُّمُو سُلطان بِن محمَّد القاسِمِيّ، الذي بدأ حياته المهنية كوزير للتعليم في البلاد، أصبح الآن على قمة العالم.  وقام بتأليف حوالي مائتي كتاب بنفسه، ويستخدم جميع الأموال التي جمعها منها في الأعمال الخيرية.  إن قيادة الثورة الثقافية المتمثلة في معرض الشارقة للكتاب هي أكثر من مجرد عنوان زخرفي لسلطان الشارقة.  وكان يزور جميع المحلات في اليوم السابق لافتتاح معرض الكتاب،  ثم يقترح التغييرات اللازمة.  وفي يوم الافتتاح، وبعد الاستماع إلى كلمات جميع الضيوف كاملة، يزور السلطان القاعات معهم ويعود.  هنا الحاكم يكون قدوة للعالم.  ومن خلال أنشطته الفعالة يظهر لنا أن السلطة ليست مجرد منصب ولكنها مؤشر للخدمة العامة وبناء الأمة.

وهذه الفعاليات الرائعة مستمدة من التراث الإسلامي المزدهر.و يستطيع لنا أن نفهم أن أول كلمة في القرآن الكريم تهدف إلى خير الإنسان  وهي الإعلان عن أن القراءة ضرورية في طريق المعرفة.  ثم يؤكد القرآن أن المعرفة هي مجد الإنسان وأن القلم والكتابة يفتحان إمكانيات المعرفة اللامحدودة.  وفي سورة الرحمن في الآية الرابعة، تحدث القرآن عن توسيع طريق المعرفة من خلال إعطاء الإنسان القدرة على التواصل، مباشرة بعد الخلق.  وطوال التاريخ الإسلامي، الذي هو قديم قدم البشرية، يمكننا أن نجد مجالات مختلفة لنقل المعرفة.  وإذا كانت كتب الأنبياء وصحفهم هي حجر الزاوية في ذلك، فيمكننا أن نرى مجالات المعرفة والكتب ومحلات الكتب وأسواق الكتب التي بُنيت على هذا الأساس.

وكانت ثقافة تبادل المعرفة والأدب موجودة في شبه الجزيرة العربية حتى قبل الفترة النبوية.  وكانوا يجتمعون في الأسواق  لعرض القصائد والتغني بالأشعار. وكذلك نظمت ندوات شعرية. وكم كان جميلاً أن تكون هناك مساحة خاصة للشعر وحضور الحكام في السوق العربي الشهير المسمى بسوق عكاظ. وتتجلى أهمية هذا المجال في أن القصيدة الفائزة في المعركة الشعرية التي أقيمت آنذاك، كتبت بالذهب وعلقت على الكعبة المشرفة.  والمعلقات وحدها كافية لفهم الأهمية التي يحظى بها الشعر والأدب

كانت الأسواق الأدبية تمثل أحد أبرز المراكز الثقافية والاجتماعية في المجتمع العربي. وكانت هذه الأسواق مركزًا لتبادل الأفكار والمعرفة، وكانت تشهد نشاطًا كبيرًا في مجالات الشعر والخطابة.

وقد أصبحت الأسواق الأدبية مكانًا للتفاعل بين القبائل المختلفة وتبادل الأفكار والتقاليد والقصص. كانت هذه المناسبات تسهم في تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي بين مختلف المجتمعات. وتعتبر الأسواق الأدبية محفزًا قويًا للشعراء والخطباء لتقديم أعمالهم والتنافس في الإلقاء والتعبير اللفظي.  وهذه المنافسات تعزز مهاراتهم الأدبية وتساهم في تطوير الأدب العربي. وما زالت هذه الأسواق الأدبية تلعب دورًا حيويًا في نقل وحفظ التراث الشفوي والقصص الشعبية. وكان الشعراء يروون القصص القديمة والأساطير، مما ساهم في الحفاظ على الهوية الثقافية والتاريخية للمجتمعات العربية. ولا يزال  الشعراء والخطباء في الأسواق الأدبية ينقلون القيم والمبادئ الاجتماعية والأخلاقية. وكانوا يسلطون الضوء على العدالة والشجاعة والكرامة، مما يعزز الوعي الاجتماعي والتحفيز نحو سلوكيات إيجابية في المجتمع.

و كان الشعراء في الأسواق الأدبية يتناولون القضايا الاجتماعية الحيوية مثل العدالة والحرية والعرفان. وعبّروا عن مخاوف المجتمع ويحثون على التغيير والتطور في السلوكيات والممارسات الاجتماعية. ومن الملاحظ أن هذه الأسواق الأدبية كانت تسهم في تعزيز الهوية الثقافية العربية وتعزيز الفخر بالتراث واللغة العربية. وكانت تلك المناسبات تعكس التنوع والغنى الثقافي للمجتمعات العربية القديمة. و كانت المنافسات الأدبية في الأسواق تساهم في تطوير المهارات اللغوية والفنية لدى الشعراء والخطباء.  وحاولوا لتطوير التعبير اللغوي والتعبيري وتحسين قدراتهم الشعرية والفكرية.

منذ عصر الجاهلية حتى العصر الحديث، لعب الأدب العربي دورًا حيويًا في تشكيل الثقافة والهوية العربية.  خلال عصر الجاهلية، كان الشعر والخطابة جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية. كان الشعراء يعتبرون مرجعية ثقافية. وكان الأدب وسيلة للتعبير عن القوة والشجاعة والحكمة.
   وبعد ظهور الإسلام، نما الأدب العربي ليشمل الأدب الديني والفلسفة والتاريخ. وتأثر الأدب بالقيم الإسلامية وأصبح وسيلة لنشر العلم والتوجيه الأخلاقي.  وخلال العصور الوسطى، ازدهر الأدب العربي بفضل المساهمات الهامة في العلوم والفلسفة والأدب. وكانت هناك مدارس فكرية ومؤلفون بارزون يساهمون في تطوير الأدب والفكر العربي.
   وعندما ننظر إلى تطور الأدب في العصر الحديث، نستطيع أن نفهم أنه قد استمر الأدب العربي في التطور والتأثير. ونشأت الصحافة والنشر وأدت إلى انتشار المعرفة بشكل أوسع. وظهرت الرواية والشعر الحديث بأساليب متنوعة وأصبحت منبرًا للتعبير عن الهوية الثقافية والسياسية.
    ويعكس الأدب العربي هوية الشعوب العربية وتراثها الغني وشغوف العرب بالأدب والقراءة. ويساهم في تعزيز الوعي الثقافي والتعبير عن القضايا الاجتماعية والسياسية. ومن الواضح جدا أن الأدب يعد أحد أهم السمات التي تميز الثقافة العربية في العالم.
وهذه الخلفية الأدبية المزدهرة أدت إلى ظهور معارض متنوعة خاصة للأدب، في العصور الحديثة. وهذا يشير إلى مدى الأهمية للأدب والقراءة عند العرب

والحقيقة أنه بعد ظهور النبي صلى الله عليه وسلم، سيطر أيضًا إيقاع ثقافي وأخلاقي.  وأصبحت الكتابة والقراءة أكثر أهمية واحترامًا من مجرد الحروف والكلمات.  وشجع الشعراء والكتاب.  ويمكن أن نرى في التاريخ أن النبي صلى الله عليه وسلم هيأ مكانًا  لحسان بن ثابت رضي الله عنه لإلقاء الشعر. و تم تذكير أتباعه باستمرار بمكافآت اكتساب المعرفة.  واستمراراً لذلك تم إنشاء أول جامعة سكنية بالمدينة المنورة تسمى أهل الصفة.  وفي وقت لاحق، تم أيضًا تأليف العديد من الكتب كجزء من نقل المعرفة.  وبدأ القرآن والأحاديث في التحول إلى شكل مكتوب انطلاقا من الاقتناع بأن تبادل المعرفة الاجتماعية لن يتم إلا إذا استمر التدوين والكتابة.  لقد تقدم الناس لتوثيق كل فرع من فروع المعرفة مع مرور الوقت.  وحقق كل من العلماء اللاحقين فعالياتهم على أكمل وجه.  وقد اعتبره الأئمة الأربعة والعلماء الذين جاءوا بعدهم واجبًا اجتماعيًا.  علاوة على ذلك، كان وراء ذلك إدراك أن هذه العناصر ضرورية لنشر الدعوة الإسلامية.  لقد تم تأليف مئات الآلاف من الكتب في العالم الإسلامي.  لقد سقطت إمبراطورية المعرفة نفسها تحت مظلة العالم العلمي الإسلامي.  ويمكن رؤية أصداءها في اتجاهات مختلفة من التاريخ.  ولم تقتصر مساهمات العلماء على العلوم الإسلامية.  وقد أنتج المجتمع العلمي كتابات في مجالات مختلفة، بدءًا من علم الفلك والفلسفة.

وإذا أردت أن تقتنع بتنوع كتب العالم الإسلامي، فيكفي أن تراجع مكتبات العصور الإسلامية المختلفة ومجموعات كتبها.  وكان بيت الحكمة أكبر مجموعة من الكتب في ذلك الوقت خلال الحكم العباسي.  وتم توسيع المكتبة بجلب المخطوطات والكتب من مختلف البلدان.  في ذلك الوقت، كانت القاعات الأكاديمية والمنصات الأدبية واسعة للغاية.  ولكن القوى الإمبراطورية أحرقتهم وألقتهم في النهر.  ويمكن رؤية مثل هذه الجهود الاستقطابية عبر التاريخ.  لأن الإمبريالية كانت دائما تخشى المعرفة والكتب.  وكانت دار العلم في القاهرة أيضًا مركزًا للمعرفة.  وفي عهد المسلمين كان هناك حوالي سبعين مكتبة خاصة في إسبانيا.  كما كان التقدم الفكري بقيادة  صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى أحد الفصول الذهبية في التاريخ الإسلامي.  ويمكن ملاحظة وجود المكتبات في أماكن مختلفة بالقرب من المساجد. ومكتبة المدرسة النظامية التي أسسها نظام الحق لها صلة بين هؤلاء.  وهذا النوع من التقدم الفكري الذي أتاحه العالم الإسلامي يمكن رؤيته في جميع أنحاء العالم العربي.  لكن القوى الإمبراطورية التي كانت تخشى المعرفة والآداب بذلت قصارى جهدها لتدميرها.  علاوة على ذلك، ومن خلال الغزوات، تم نهب مخازن المعرفة من العالم الإسلامي.  وفي وقت لاحق لم يتم تمييزها باسم الإسلام، بل كانت هناك محاولات لتغييره بطرق مختلفة.  لكن العالم الإسلامي بذل جهوداً لاستعادتها على عدة مراحل.  ويمكن تمييز معرض الشارقة للكتاب باعتباره جزءًا مهمًا منها.

ومعرض الشارقة من أهم هذه المعارض التي تشجع الأدب في العصر الحديث. ومعرض الشارقة الدولي للكتاب هو أحد أبرز المعارض الثقافية في الشرق الأوسط ويعد منصة رائدة للثقافة والتعليم في المنطقة. ويعود تاريخ هذا المعرض إلى بداية السبعينيات، ومنذ ذلك الحين شهد نموًا وتطورًا ملحوظًا.
   وتأسس معرض الشارقة الدولي للكتاب في عام 1982 كمبادرة لتعزيز القراءة والثقافة في المنطقة. كانت البدايات متواضعة، ومع الوقت أصبح هذا المعرض منصة رائدة للنشر والتعليم في العالم العربي.  شهد معرض الشارقة نموًا مستمرًا على مدار السنوات، حيث توسعت مساحته ونطاق عروضه ليشمل مختلف المجالات الثقافية والفنية والأدبية. أصبح المعرض وجهة مهمة للكتّاب والناشرين والمهتمين بالثقافة.   ويتسم معرض الشارقة بالتنوع الثقافي الواسع، حيث يشارك فيه كتّاب وناشرون من مختلف أنحاء العالم، مما يسهم في تعزيز التفاعل الثقافي وتبادل الأفكار.
  
بالإضافة إلى الكتب والمطبوعات التقليدية، بدأ معرض الشارقة في استضافة معارض وورش عمل تفاعلية حول الابتكار والتكنولوجيا، مما يعكس التطور المستمر في القطاع الثقافي. وقد حقق معرض الشارقة نجاحًا كبيرًا على المستوى الإقليمي والدولي، وأصبح منصة لتعزيز التفاهم الثقافي وتبادل الفكر والإبداع بين الشرق والغرب.  ويتطلع معرض الشارقة إلى التوسع المستمر واستضافة مبادرات جديدة تعزز القراءة والتعلم والإبداع. يهدف المعرض إلى استمرار دوره الرائد في تعزيز الحوار الثقافي وتحفيز الابتكار والتنوع. وسيبقى هذا المعرض ركيزة أساسية في تعزيز القراءة والثقافة في المنطقة، ويحمل رسالة إيجابية تعزز التفاهم الثقافي وتعزز التعلم والتنمية

  ومع مرور الوقت، مع النمو التكنولوجي، مر معرض الكتاب كل عام بتقنيات مبتكرة.  واليوم، تطور معرض الشارقة للكتاب ليصبح أحد أكبر معارض الكتب في العالم.  ويتم تنظيم معرض الشارقة للكتاب كل عام ليجمع أفضل الناشرين الدوليين والوطنيين.  معرض الكتاب هذا نشط للغاية اليوم مع إصدار كتب جديدة ومناقشات أدبية.  ولا يمكن الافتراض أن مهرجان الكتاب هذا مجرد فكرة طرأت ذات يوم.  ولا يمكن اعتبار هذا المعرض إلا بمثابة استمرار للتقليد العلمي العربي المذكور أعلاه.  إنهم يستعيدون الثقافة الفكرية المفقودة للإسلام والجزيرة العربية. و ينقل هذا المعرض أيضًا فكرة عظيمة مفادها أن العلم وحده يمكنه غزو العالم.  إنهم يقودون مجتمعًا كانت فيه التجمعات المعرفية والأدبية حدثًا يوميًا لتلك الذكريات

على الرغم من أن معارض الكتب ليست ظاهرة جديدة، إلا أن هناك أيضًا اعترافًا بالأهمية السياسية والاجتماعية للترويج لها هذه الأيام. ومعرض الشارقة للكتاب له صلة بهذا المجال.  إنهم يستعدون للامتحانات الجديدة بشجاعة كبيرة على أساس التجارب والذكريات التي تم تناقلها.  وكل هؤلاء يقولون إن المعرفة والكتب هي أعظم الأسلحة للتغلب عليها جميعا، مهما كانت غير سياسية أو انحطاطا اجتماعيا.

ومن الجدير بالذكر أن معرض الشارقة الدولي للكتاب يعرض فيه، في السنة الماضي، أكثر من 15 ألف كتاب بعناوين متنوعة. ويشارك في معرض الشارقة الدولي للكتاب  هذا العام 2213 ناشراً من 108 دول  تحت شعار “نتحدث كتباً”.
➖➖➖➖➖➖➖➖➖
بقلم / أستاذ إبراهيم ابوبكر كامل ثقافي (في الصورة)
*مدرس / أكادمية العالمية للبحوث في العلوم المتقدمة* *كالكوت ، كيرالا ، الهند*