المعهد النقدي الأفريقي يشرع في تشكيل هياكل الحوكمة تمهيداً للتكامل النقدي والبنك المركزي الأفريقي

اقتصاد – الخبر نيوز: دخل مشروع التكامل النقدي الأفريقي مرحلة جديدة مع بدء المعهد النقدي الأفريقي (IMA) تشكيل هياكله القيادية، في خطوة مؤسسية تمهد لمسار إنشاء البنك المركزي الأفريقي مستقبلاً، بعد اعتماد النظام الأساسي للمعهد في فبراير 2026.

وتأتي هذه الخطوة في وقت تكثف فيه المؤسسات النقدية الأفريقية جهودها لتقريب السياسات الاقتصادية والنقدية بين دول القارة، وتطوير البنية المالية العابرة للحدود، تمهيداً لتحقيق أهداف التكامل الاقتصادي والنقدي التي حددها الاتحاد الأفريقي ضمن أجندة 2063.

وبحسب بيان نشره البنك المركزي لدول وسط أفريقيا (BEAC) في 22 سبتمبر 2026، عقب اجتماعات جمعية البنوك المركزية الأفريقية (ABCA)، بحث محافظو البنوك المركزية قواعد التناوب الخاصة بتمثيل المناطق الأفريقية الخمس داخل أجهزة حوكمة المعهد، بهدف ضمان تمثيل متوازن لمختلف أقاليم القارة.

.

وفي ختام الاجتماعات، اختار المحافظون يوفون سانا بانغي، محافظ بنك دول وسط أفريقيا، لتولي رئاسة مجلس إدارة المعهد بصورة انتقالية

ومن المنتظر أن يعقد مجلس الإدارة التأسيسي للمعهد اجتماعاً في أبوجا، لبحث تعيين أعضاء مجلس الإدارة واختيار أعضاء المكتب، بما يضع الهيكل الأول لحوكمة المؤسسة الجديدة ويمهد لدخولها مرحلة التشغيل الفعلي.

مؤسسة تمهّد الطريق.. لكنها ليست البنك المركزي

ورغم أهمية إنشاء المعهد النقدي الأفريقي، فإن تأسيسه لا يعني إنشاء البنك المركزي الأفريقي، ولا يمثل إعلاناً عن قرب إطلاق عملة أفريقية موحدة.

ويتمثل الدور الأساسي للمعهد في إعداد الدراسات والأطر الفنية والمؤسسية والاقتصادية التي يمكن أن تساعد الدول الأفريقية على تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق التكامل النقدي مستقبلاً.

وبالتالي، فإن المعهد يمثل مرحلة تحضيرية ضمن مسار أطول وأكثر تعقيداً، يتطلب تحقيق مستويات أعلى من التقارب الاقتصادي وتنسيق السياسات النقدية والمالية بين دول القارة.

فبراير 2026.. البداية القانونية للمشروع

وكان المشروع قد قطع أولى خطواته المؤسسية في فبراير الماضي، عندما اعتمد مؤتمر الاتحاد الأفريقي، خلال دورته العادية التاسعة والثلاثين المنعقدة يومي 14 و15 فبراير في أديس أبابا، النظام الأساسي للمعهد النقدي الأفريقي.

وطلب المؤتمر من الدول الأعضاء اتخاذ الإجراءات اللازمة لتمكين المعهد من بدء عمله بحلول سبتمبر 2026، في إطار جدول زمني يستهدف الانتقال من مرحلة الإعداد القانوني إلى بناء المؤسسة وتشغيل هياكلها.

ولخفض تكاليف الانطلاق، دعا الاتحاد الأفريقي البنوك المركزية إلى إيفاد موظفين للعمل لدى المعهد، كما طلب منها إدراج النفقات المرتبطة بتشغيل المؤسسة ضمن برامجها وموازناتها لعام 2026. كما دُعيت الدول الأعضاء إلى توفير الموارد اللازمة لتمويل المعهد عبر بنوكها المركزية.

بنك مركزي أفريقي.. مشروع أكبر من مؤسسة واحدة

ويأتي المعهد النقدي الأفريقي ضمن منظومة مؤسسات مالية ونقدية أوسع يعتزم الاتحاد الأفريقي تطويرها في إطار مشروع التكامل القاري.

ويشمل هذا المشروع، إلى جانب البنك المركزي الأفريقي، صندوق النقد الأفريقي والبنك الأفريقي للاستثمار، باعتبارها مؤسسات يفترض أن تسهم في دعم التكامل الاقتصادي والمالي للقارة.

وتشمل المهام المقترحة للبنك المركزي الأفريقي مستقبلاً صياغة سياسة نقدية مشتركة، وإنشاء وإدارة عملة أفريقية موحدة، والمساهمة في استقرار أسعار الصرف.

.

ووفق إطار أجندة أفريقيا 2063، يستهدف الاتحاد الأفريقي إنشاء البنك المركزي القاري خلال الفترة الممتدة بين 2028 و2034، مع طرح أبوجا مقراً مستقبلياً للمؤسسة

لكن الانتقال من مرحلة بناء المعهد إلى قيام بنك مركزي أفريقي فعلي يواجه تحديات اقتصادية ومؤسسية واسعة، أبرزها تحقيق قدر أكبر من التقارب بين اقتصادات الدول الأعضاء، وتنسيق السياسات النقدية، وتقليص الفوارق في المؤشرات الاقتصادية والمالية.

أرقام تكشف حجم التحدي

وتظهر بيانات جمعية البنوك المركزية الأفريقية حجم المهمة أمام الدول الراغبة في المضي نحو تكامل نقدي أوسع.

ففي عام 2025، استوفت 17 دولة فقط من أصل 53 دولة خضعت للتقييم، أي ما يعادل 32.1%، المعايير الخمسة الأساسية للتقارب الاقتصادي الكلي، مقابل 12 دولة في عام 2024. ورغم التحسن المسجل خلال عام واحد، فإن الأرقام تشير إلى أن مسار التقارب الاقتصادي لا يزال في مراحله الأولى مقارنة بحجم المشروع النقدي القاري المطروح.

ويعد التقارب الاقتصادي أحد الشروط الأساسية لأي انتقال مستقبلي نحو سياسة نقدية مشتركة، إذ يتطلب الأمر توافقاً أكبر في المؤشرات الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية قبل الوصول إلى مرحلة العملة الموحدة.

خارطة طريق للسياسة النقدية حتى 2030

وبالتوازي مع إنشاء المعهد، اعتمدت جمعية البنوك المركزية الأفريقية خارطة طريق للفترة 2026–2030 بهدف تعزيز تنسيق ومواءمة أطر السياسات النقدية في القارة.

كما أنشأت الجمعية فريق عمل متخصصاً في السياسة النقدية والتكامل، يتولى دعم أعمال المعهد النقدي الأفريقي ومتابعة التقدم المحرز في إطار برنامج التعاون النقدي الأفريقي.

وتعكس هذه الخطوة محاولة لبناء آليات تنسيق مستمرة بين البنوك المركزية، بدلاً من الاكتفاء بالإجراءات المؤسسية المرتبطة بإنشاء المعهد.

أنظمة الدفع.. البنية التحتية للتكامل المالي

ويمتد مشروع التكامل الأفريقي إلى ما هو أبعد من السياسات النقدية، ليشمل أيضاً تطوير أنظمة الدفع والتسوية العابرة للحدود.

وفي يوليو 2026، انضم البنك المركزي لدول وسط أفريقيا (BEAC) إلى نظام الدفع والتسوية الأفريقي الموحد (PAPSS)، بينما وقّع البنك المركزي لجمهورية الكونغو اتفاقية الانضمام إلى النظام خلال اجتماع عقد في نيروبي.

وبحسب بيان بنك دول وسط أفريقيا، أدت هذه الانضمامات إلى رفع عدد الدول التي يغطيها نظام PAPSS إلى 31 دولة، فيما بلغ عدد البنوك المركزية الأعضاء 24 بنكاً مركزياً.

ويهدف توسيع نطاق أنظمة الدفع القارية إلى تسهيل المعاملات المالية والتجارية بين الدول الأفريقية وتعزيز البنية التحتية اللازمة لمزيد من التكامل المالي.

مسار طويل نحو التكامل النقدي

ومع بدء المعهد النقدي الأفريقي بناء هياكله القيادية، تنتقل المبادرة من مرحلة وضع الأطر القانونية إلى مرحلة أكثر عملية تتعلق ببناء المؤسسات وآليات الحوكمة.

لكن الطريق نحو بنك مركزي أفريقي وعملة موحدة لا يزال يتطلب سلسلة من الخطوات الاقتصادية والمؤسسية، في مقدمتها تعزيز التقارب الاقتصادي الكلي، وتنسيق السياسات النقدية، وتطوير أنظمة الدفع، إلى جانب توفير الموارد المالية والمؤسسية اللازمة.

وبذلك يمثل إطلاق المعهد النقدي الأفريقي خطوة تأسيسية في مشروع طويل الأمد، فيما سيحدد مستوى التقدم في ملفات التقارب الاقتصادي والنقدي قدرة الدول الأفريقية على الانتقال من فكرة التكامل إلى مؤسسات نقدية قارية أكثر تكاملاً خلال السنوات المقبلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.